عثمان بن جني ( ابن جني )
415
سر صناعة الإعراب
أما إمالتهم إياها وهي حروف تهج فليس ذلك لأنها منقلبة عن ياء ولا غيرها ، وذلك أنها حينئذ أصوات غير مشتقة ولا متصرفة ، ولا انقلاب في شيء منها لجمودها ، ولكن الإمالة فيها حينئذ إنما دخلتها من حيث دخلت « بلى » ، وذلك أنها شابهت بتمام الكلام واستقلاله بها وغناها عما بعدها الأسماء المستقلة بأنفسها ، فمن حيث جازت إمالة الأسماء كذلك أيضا جازت إمالة « بلى » ؛ ألا ترى أنك تقول في جواب من قال لك ألم تفعل كذا ؟ : « بلى » فلا تحتاج « بلى » لكونها جوابا مستقلا إلى شيء بعدها ، فلما قامت بنفسها ، وقويت ، لحقت في القوة بالأسماء في جواز إمالتها كما أميل نحو « أنّى » و « متى » ، وكذلك أيضا إذا قلت : با تا ثا قامت هذه الحروف بأنفسها ، ولم تحتج إلى شيء يقوّيها ، ولا إلى شيء من اللفظ تتصل به ، فتضعف ، وتلطف لذلك الاتصال عن الإمالة المؤذنة بقوة الكلمة وتصرفها . ويؤكد ذلك عندك ما رويناه عن قطرب من أن بعضهم قال : « لا أفعل » فأمال « لا » ، وإنما أمالها لما كانت جوابا قائمة بنفسها ، فقويت بذلك فلحقت بالقوة باب الأسماء والأفعال ، فأميلت كما أميلا ، فهذا وجه إمالتها وهي حروف هجاء . وأما إمالتها وقد نقلت ، فصارت أسماء ، ومدّت ، فإنما فعلوا ذلك لأن هذه الألفات قد كانت قبل النقل والمدّ مألوفة فيها الإمالة ، فأقروها بعد المد والتسمية والإعراب بحالها ؛ ليعلموا أن هذه الممدودة المعربة هي تلك المقصورة قبل النقل المبنية ، لا لأن هذه الألفات عندهم الآن بعد النقل والمد مما سبيله أن يقضى بكونه منقلبا عن ياء . ولهذا نظائر في كلامهم ، منها إمالتهم الألف في « حبالى » ليعلم أن الواحدة قد كانت فيها ألف ممالة ، وهي حبلى ، فالألف الآن في « حبالى » إنما هي بدل من ياء « حبال » كما قالوا « دعوى » و « دعاو » ثم أبدلوا من ياء « حبال » ألفا ، وأمالوها كما كانت في الواحد ممالة ، محافظة على الواحد ، فكذلك حافظ هؤلاء أيضا ، فأمالوا قولهم : هذه حاء وياء لقولهم قبل الإعراب : با تا ثا حا خا . ومما راعوا فيه حكم غيره مما هو أصل له إعلالهم العين في نحو : « أقام » و « أسار » و « استقام » و « استسار » ؛ ألا ترى أن الأصل في هذا « أقوم » و « أسير » و « استقوم » و « استسير » فنقلوا فتحة الواو والياء إلى ما قبلهما ، وقلبوهما لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن ، ولولا أنهما انقلبتا في « قام » و « سار »